ادبياتعيون خاصة

ليلة الكسوف – الحلقة الثالثة عشرة: “العودة من اللا مكان”– الكاتبة كارينا أبو نعيم

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

عاد صوت الأجهزة يعلو تدريجياً ، وخطوط خضراء تومض على الشاشة أمام الرائد رامز، تتناغم مع نبض متسارع كأنه دقّات قلب في الفراغ.

صرخت الدكتورة سارة:

هناك إشارة! التردد مطابق لموجات وليد قبل العبور!”

اقترب رامز بخطوات حذرة، أصابعه تتحرك فوق لوحة التحكم كعازفٍ على وترٍ هش.

قال بصوت منخفض:

ثبّتوا الحقل… لا تتركوها تنهار!”

 

وفجأة انفتح الشرخ الأزرق في منتصف الغرفة من جديد، لكن هذه المرة كان مختلفًا . كان الضوء أقل حدة، وكأن البوابة نفسها تتنفس بصعوبة.

خرج منها وميض، تبعته أطياف متداخلة من وجوه وأصوات، ثم ظهر جسد وليد يسبح في الهواء قبل أن يسقط أرضًا بلا حراك.

ركضت سارة نحوه، وضعت جهاز الفحص على صدره.

همست:

إنه حي… لكنه لا يزال متصلاً بشيء آخر.”

فتح وليد عينيه ببطء. لم يرَ الغرفة فورًا، بل رأى صورًا تتقاطع داخل ذهنه ،صوت طفلٍ يناديه من بعيد… وامرأة تهمس باسمه من خلف الضباب.

قال بصوت مبحوح:

رأيتهم… كانوا هناك.”

تجمّد الجميع.

اقترب منه الرائد رامز وسأله :

من؟ من رأيت يا وليد؟

تنفّس وليد بصعوبة، ورفع نظره نحوه:

زوجتي   وأولادي… لم يموتوا كما ظننّا. إنهم محتجزون في منطقة ما بين الطبقات… يسمّونها اللا مكان.”

تبادلت سارة و الرائد رامز النظرات القلقة.

قال الرائد رامز:

هل يمكن الوصول إليها؟

أجاب وليد بصوتٍ خافت:

نعم… لكن ليس من هنا. يجب أن نعود عبر البوابة من الداخل.”

ساد صمت ثقيل.

كانت الأجهزة تومض بإشارات متقطعة، وكأنها تلتقط صدى حديثهم.

ثم قال الرائد رامز بحزم:

إذا كان هناك احتمال واحد لإنقاذهم… فسنخاطر.”

رفعت سارة رأسها، وعيناها تلمعان بين الخوف والإصرار:

“لكن الطاقة المتبقية لا تكفي لعبورٍ آخر.”

أجاب الرائد رامز:

إذن سنصنع عبورنا الثالث.”

 

نظر الجميع إليه بدهشة، بينما  ظهرت على الشاشة  كلمات غامضة:ا”للا مكان لا يرحّب بمن عاد.”

رفرفت الأنوار للحظة، ثم انطفأت الغرفة كلّها في ظلامٍ أعمى…

وصوت وليد، من العدم، يقول بصوتٍ أقرب إلى الهمس:

لقد بدأ الكسوف الحقيقي الآن.”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »