

الكاتبة كارينا أبو نعيم
القرار اتُّخذ. لا تراجع.
في غرفة التحكم، تعمل الأجهزة بلا كلل، والهواء يحمِل رائحة حديد وكهرباء محترقة. كانت نظرات الرائد رامز حادّة كالشفرات، ووجهه يلمع من عرق الإجهاد والإصرار.
قال بصوتٍ خافت ولكنه حاسم:
“نكوّن الحقل، نفتح بوابة مضاعفة، وندخل. لا نأخذ سوى الوقت الضروري، ثم نعود.”
سارعت سارة وبدأت تُعدّ الأجهزة، بينما وليد جالس على سريره المتنقّل، وجهه شاحب ولكن عينيه تحملان يقينًا غريبًا: ليس كل من في اللا مكان يريد أن يُنقذ.
أحضرت المساعدة الصغيرة، سجلّات الصور لأفراد العائلة المفقودة: صورة امرأة عيونها واسعة، وصورتان لطفلين يبتسمان .اسمها في السجل: ريم. اسم الطفلين: زياد ولينا.
قبل أن يتحرك أحد، همس وليد:
“هناك شيئان يجب أن تعرفوه. الأول: اللا مكان يتغذّى على الخوف. الثاني: ليس كلُّ ما يبدو إنسانًا هو إنسان.”
تبادل الفريق نظراتٍ سريعة. كل كلمة كانت مثل حجرٍ يسقط في بركة الركود.
ضغط الرائد رامز على المفتاح.تشكلت دوّامات الضوء أمامهم — هذه المرة أوسع، وأعمق، وطيفان من الضوء الأزرق والأخضر يتقاطعان ليصنعا بوابة مزدوجة: مدخل وخروج مخططان بعناية.
قال الرائد رامز: “سنقسّم الفريق…”
اختار سارة ووليد للدخول. المساعدة وعضو آخر سيظلّان بمهمّة الدعم، بينما بقي هو على لوحة التحكم، كلتا يديه على مفاتيح الحياة والموت.
حينما عبرا، لم يكن العبور مجرد انتقال مکان، بل كأنهما مرّا إلى صفحة من كتاب تُكتب فيه الكلمات مع كل نفسٍ. الأرض هناك ليست أرضًا: هي فسيفساء من ذكريات مبعثرة، وممراتٍ تشبه أنفاس المدن التي عرفت الحياة. أصوات، ضحك قديم، نواح، همسات أسماء. وكل حينٍ يظهر ظل يلمّع كما لو كان يبتسم ثم يذوب.
لم تمضِ دقائق حتى رأت سارة لمحة من حركة ظل صغير يركض بين الأعمدة من الضوء.
“زياد!”، صرخت قبل أن تصمت، لأن الصوت عاد لها مشوّشًا، كما لو أن الاسم ارتدّ من طبقة أخرى.
تبعوا الظل حتى وصلوا إلى فراغٍ كبير، حيث تقف بوابة صغيرة من الضوء تحرسها صورة امرأة نصف شفافة. كانت ريم — لكن عيونها كانت فراغًا، والابتسامة ليست ابتسامة إنسان. تردّد صوتها كأمواج تقول:
“لِمَ أتيتم ومن ستأخذون؟ وهل تأتون لتسلبوني ما أملك؟”
اقتربت سارة بحذر، رفعت يدها ومعها جهاز قياس صغير. توقفت ريم عن الحركة للحظة، ثم قالت بصوتٍ وديع:
“هم هنا لأنهم تَركوا شيئًا معكم. شيء صغير، ذكرى، وعد، حضن، كل ذلك يصبح هنا طعامًا.”
شعر وليد بوخزٍ داخل صدره — ذكريات طفولة، حضن أخيه، وعدٌ لم يقله. فجأة، تغيرت ملامح ريم. لم تعد مجرد ظلّ جائعة. وجهها انقلب كما لو حُلّت به لوحة شكّلتها الذاكرة: وجوه متعددة، كلُّ وجهٍ يحمل شيئًا يخص الفريق — صور أمهاتهم، خوفهم، ذنوبهم.
صرخت المساعدة من خلفهم: “تذبذب في الحقل! الرابط يضعف!”
صرخ رامز من بعيد: “انسحبوا الآن! هذه ليست بوابة إنقاذ… إنها فخّ!”
لكن في تلك اللحظة، ظهر طفلان حقيقيان من خلف ريم،زياد ولينا،هما يركضان نحو سارة، عيونهما حقيقية، يداهما تمتدّان للّمس. اقتربت سارة وضمتهماا من بدون تفكير. دفقة من الدفء اجتاحتها، كأنما قضى لفتة واحدة كلّ الشتات في قلبها. أصوات الأطفال همهمت: “أبي… أمي…” لكن الكلمات تلاشت كما لو أنها من مرحلة أخرى.
صاح وليد بصوتٍ مضطرب: “لا تمسكوهم….ابتعدوا!” لكن كلماته وصلت متأخرة. عندما لمست سارة يد لينا، ارتجف الجوّ، وتكسّرت الأرضية كما لو أن نسيج الواقع شقّته رؤوس الإبر.
ضحكت ريم ضحكة لا تُطاق، ووجهها تفكك إلى آلاف صورٍ صغيرة، وكل صورة اصبحت شظية من ذاكرة. ثم، من تلك الشظايا، خرج شيءٌ آخ، ظلّ أكبر، يشبه إنسانًا مُرتدٍ بمئات الوجوه.
صار الصوت في اللا مكان أعلى…. همساتٌ كأسماءٍ تُتلى في سرّ. تذكر وليد تحذيره: اللا مكان يتغذّى على الخوف. الخوف هنا لم يكن فقط منهم؛ بل كان من كل وحدة من ماضيهم. وَلِما بدأ الخوف يتسلل، بدأ الظلّ ينمو.
صرخ رامز: “اغلقوا الرابط! أغلقوه الآن!”
ضغطت المساعدة على الزر، لكن مؤشر الطاقة انخفض بسرعة. شيءٌ ما يمتص الطاقة من الحقول، يبتلع نبضات الأجهزة. أظهرت الشاشة خلف رامز تحذيرًا واحدًا : “سنقص عليك الذكريات مقابل ما تريد“.
شعرت سارة وهي ممسكة بالأطفال بشيءٍ يلتصق بقلبها… صورة لابنها الذي لم تنجبه بعد، وعدٌ لم تُوفَ به. وعيها تلاشى لوهلة؛ ظل أخرس اقترب منها، وهتف همساً: “خذي الأطفال، لكن اتركي البوابة مفتوحة.”
هنا حدث أمر لم يتوقعه أحد: دفع وليد بيدٍه دون تفكير نحو ريم. صار الضوء حول يديه يتوهّج وخرج منه نبضٌ أبيض قادر على قطع التيارات. ضرب النبض الظلّ، وأعاقه لبرهة. في تلك اللحظة، تحرّكت سارة، سحبت الأطفال، وبدأوا في التراجع نحو البوابة.
لا يُغلق الباب إلا إذا عاد آخرهم. وأصبح وليد، وسط هذه الفوضى في حالة غريبة وغير طبيعية . وبدا صوته أبعد وهو يصرخ : “اذهبوا… اركضوا… لقد دفعت الثمن.”
حاول الرائد رامز أن يمدّ له الحبل الآمن، لكن الحبل انقطع فجأة، كما لو أن قوة خفية قصته من الوسط.
في اللحظة التي عبرت فيها سارة والأطفال البوابة إلى غرفة التحكم، انطفأ اللا مكان. ظلت الشاشات تومض أمام الرائد رامز. ثم سكتت.
اختفى وليد. لم يُسحب. كل ما تبقى منه كان قطعة صغيرة من ضوء وزجاج في المكان حيث كان واقفًا ، وهتاف خافت تركه في أذن الرائد رامز قبل أن يزول:
“لا تكونوا واثقين من العودة… اللا مكان يكتب أسماءً جديدة في كل عبور.”
في غرفة التحكم، سقطت ريم والطفلان في مرايا صورهم الحقيقية . تنهدت سارة ، عيناها تتوهّجان بالدموع. والرائد رامز يحدق في الفراغ، قبضته على لوحة التحكم تخلخلت، ثم تماسك وقال بصوتٍ بارد:
“سنسحب ما تبقّى من الطاقة. سنعدّ خطة. وليد، إن عدت يومًا لن تكون وحدك.”
على الشاشات، ظهرت جملة مكتوبة بحروفٍ صغيرة: “العبور الثالث خلّف أكثر مما توقعتم. بعض العائدين سيأكلهم الظلال.”
