ادبياتعيون خاصة

ليلة الكسوف – الحلقة الخامسة عشرة: “تقرير العبور الثالث”– الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

بعد مرور ثلاثة أيام على الحادثة….

جلست الدكتورة سارة أمام الطاولة المعدنية، تحيط بها شاشات تعرض تسجيلاتٍ مشوشة لما سُمي رسميًا بـ “حادثة العبور الثالث”.

كانت الأصوات متقطعة، الصور مهتزة، والضوء الأزرق يتداخل مع الظلال حتى صار التمييز بينها مستحيلًا.

كتبت في تقريرها المبدئي:

في اللحظة صفر، حدث تشابك غير متوقّع بين موجات الطاقة الكهرومغناطيسية ومجال الوعي البشري. ما رأيناه ليس انتقالًا ماديًا، بل انقسامًا في البنية الإدراكية للمشاركين.”

رفعت نظرها إلى الزجاج الفاصل بين غرفة المختبر و الغرفة الثانية حيث كان الطفلان ينامان بهدوء، وأسلاك دقيقة تخرج من معصميهما لتقيس نشاط الدماغ.

كلّ خمس دقائق تقريبًا، تظهر على الشاشة قفزة غريبة في الرسوم البيانية، كأن موجة خارجية تمرّ عبر أدمغتهما.

قال أحد المساعدين بصوت متردد:

هل تعتقدين أنهم ما زالوا مرتبطين باللا مكان؟

أجابت وهي تحدّق في الشاشة:

ليسوا مرتبطين… بل مراقَبين.”

أخرجت من درجها قطعة صغيرة من الزجاج الشفاف، محاطة بطبقة معدنية.

كانت آخر بقايا من البوابة قبل أن تنفجر.

حين مرّت أشعة الليزر عليها، ارتجف الضوء داخلها وأصدر تردّدًا منخفضًا، أقرب إلى نبضة قلب بشرية.

تراجعت سارة ببطء، وهمست:

إنها ما تزال حيّة…”

دخل الرائد رامز بهدوء، يحمل ملفًا أسود مختومًا بالشعار الرسمي للهيئة.

قال بنبرة حازمة:

سيغلق التقرير رسميًا. قررت القيادة تصنيف المشروع كـ(تجربة فاشلة).”

نظرت إليه بدهشة:

فاشلة؟ لقد رأينا العبور بأعيننا! و قد ضحى وليد بنفسه لينقذهم!”

تنهّد الرائد رامز، ثم قال بصوت خافت:

لهذا  السبب بالضبط يريدون إغلاق هذه القضية . لأن ما فعله وليد لم يكن عودة… بل انعكاسًا. بحسب تحليل البيانات، الإشارة التي التقطناها في اللحظة الأخيرة لم تكن صادرة منه.”

 

اتسعت عيناها من الصدمة وتمتمت : ” هل تقصد…؟

أجاب مقاطعاً سؤالها:

بل من نسخةٍ أخرى منه.”

عمّ الصمت المكان.

حتى نبض الأجهزة خفت كأن المختبر نفسه يحبس أنفاسه.

ثم على الشاشة المقابلة، ظهر خط ضوء واحد مستقيم  قبل أن يهتز فجأة، مكوّنًا عبارة قصيرة بالإنجليزية:

“I’m still here”

رفعت سارة رأسها،  وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة  تعلوها الدهشة ويسيطر عليها الخوف .ووقفت وصاحت بكل ما تملكه من قوة :

يا سادة  يا كرام  ….لم ينته العبور بعد…”

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »