

الكاتبة كارينا أبو نعيم
بعد العبـور الرابع، خيّم صمت غريب على المختبر. لم تعد الأجهزة تصدر أي صوت، إلا من حين لآخر نبضة كهربائية ضعيفة، وكأن المكان نفسه يتنفس ببطء.
جلست سارة أمام الشاشة، تحدّق في خطوط النبض التي كانت تتحرك بلا انتظام. شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. كل إشارات الطاقة، حتى تلك الخاصة بالأطفال، بدأت تتداخل مع موجاتها. ارتجف الجهاز، وظهرت على الشاشة صورة مشوشة… وجه وليد. لكن وجهه لم يكن كما عرفوه: كان نصفه ضوء، ونصفه الآخر ظلّ.
همست سارة لنفسها:
“هل… هو حقًا وليد؟ أم مجرد انعكاس من اللا مكان؟“
اقترب الرائد رامز بحذر، يراقب الشاشة:
“يشير النظام إلى أنه لم يعد موجودًا في الواقع، وكلّ ما يظهر هنا ليس سوى انعكاس لطاقته.”
ابتسمت سارة ابتسامة توتر، ثم شعرت بالدوار. بدأت ترى صورًا متشابكة حولها: المختبر، المختبر من بدايته، اللحظات قبل كل عبور… ذكريات كل من دخلوا اللا مكان تتقاطع في كل زاوية. كل شيء أصبح انعكاسًا، وكل انعكاس يحاول التسلل إلى وعيها.
سمعت همسًا غريبًا، يتردد بين الذكريات والواقع:
“لا تثقي بما ترين…كل شيء هنا انعكاس“.
رفعت سارة جهاز القياس، وحاولت فصل الأجهزة، لكن الأشعة ارتدت عليها، لتظهر لها صورًا أخرى… نسخة منها، واقفة خلفها، عيونها شديدة السواد، تقول بصوتها نفسه:
“أنتِ الآن جزء من اللا مكان… ولن تعرفي العودة إلا إذا قبلتِ الحقيقة“.
اقتربت سارة وقلبها ينبض بسرعة. كل شيء حولها يتفتت: الأرضية، الجدران، حتى الهواء أصبح مرآة. كانت الظلال التي تمتص الطاقة من عبور وليد تتشكل حولها، تهمس باسم كل من فقد شيئًا في حياته، وتستعيده في صورة ذكريات مشوّهة.
قالت سارة بصوت خافت:
“إذا كان هذا انعكاسًا… فسأغلق البوابة بنفسي. كل شيء، حتى أنا، سأدفع الثمن“.
دفعت الجهاز نحو النقطة التي تومض فيها البوابة، وخرج شعاع أبيض قوي، امتد إلى كل الزوايا. بدأت الأشعة تمزق الانعكاسات، وتعيد كل شيء إلى أصله. لكن قبل أن تختفي آخر صورة، ظهر ظل وليد، يمد يده نحوها، وابتسامة حزينة على وجهه:
“سارة… الواقع لا يموت. أمّا نحن… مجرد انعكاسات له.”
سقط الضوء، واختفت الانعكاسات تدريجيًا، تاركة سارة في مختبرها، الأطفال بأمان، والرائد رامز يحاول استيعاب ما حدث.
ساد صمت طويل، وكأن الوقت نفسه توقف. رفعت سارة رأسها، تنظر إلى الشاشة التي تعرض آخر نبضة للبوابة، و جملة واحدة تتلألأ على الشاشة في الظلام:
“كل عبور يترك أثرًا… لكن بعض الانعكاسات تختبئ لتعود.”
تمتمت سارة مندهشة ومتسائلة:
“هل انتهى …أم بدأ شيء جديد؟“
وفي الزاوية، وعلى شاشة صغيرة كانت تومض بخطوط خافتة، ظهر وميض أخير: صورة وليد، وعيناه تقول بصوت خافت:
“أنا هنا… دائمًا.”
