

الكاتبة كارينا أبو نعيم

جلستُ أمامها مشدوهاً، كأنّني أراقب وهماً تجسّد في شكل امرأة من لحم ودم. شعرتُ أنّني أعرفها منذ زمن لم أعشه ، كأنّني قرأتُ ملامحها بين سطور قصاصاته الصفراء التي رماها إليّ ثم اختفى.
ابتسمت بخفّة وقالت:
“لا تتفاجأ من زيارتي، دكتور مراد. كنتُ أعلم أنّني سأجدك هنا هذه الليلة تحديداً.”
لم أُجب. كانت الكلمات تتزاحم في حلقي لكنّها تأبى الخروج. نظراتها تحمل ثقة جارفة، ثقة لا تملكها سوى امرأة تعرف تماماً كيف تقتحم قلوب الآخرين من دون استئذان.
تابعت حديثها وهي تتقدّم بخطوات ثابتة نحو مكتب الاستقبال:
“أتعلم؟ لقد كان يجلس في هذا الركن بالذات، يترك ظلّه يسبق حضوره، يراقب عقارب الساعة بقلق وكأنّه يخشى أن تفوته لحظة النجاة.”
شعرتُ أنّني أمام مشهد سينمائيّ حيّ. لم تترك لي مجالاً للسؤال عمّن تعني. كنت أعلم في داخلي أنّها تتكلّم عنه هو… مريضي الذي اختفى وترك لي قطع البازيل الصفراء.
سألتها بحذر:
“هل تعرفينه؟“
أطلقت ضحكة قصيرة، ثم جلست على الأريكة وقالت:
“أعرفه أكثر ممّا تعرفه أنت، وأكثر ممّا يعرف هو نفسه. لكن، المشكلة أنّه لم يعرفني أبداً كما يجب.”
كان في صوتها مزيج غريب بين الكبرياء والخذلان، بين امرأة ترى نفسها بطلة القصة، وضحية في الوقت ذاته.
تجرّأتُ وسألتها:
“هل أنتِ… ؟“
وبحركة خاطفة ومفاجأة مدت يدها إلى حقيبة سوداء صغيرة، وأخرجت منها قصاصة صفراء مطوية بعناية. وضعتها على الطاولة أمامي ثم قالت:
“قبل أن تسأل، إقرأ هذه.”
مددتُ يدي ببطء والتقطتُ الورقة. كانت تحمل الرقم ١٨٧. نفس خط يده، نفس الحبر الأسود المتقطع. كُتبت عليها جملة واحدة فقط:
“في اليوم الذي تظهر فيه بوجهها الحقيقي، سأكون قد متّ.”
رفعتُ نحوها عيني مرتبكاً. كانت ما تزال تبتسم، لكنّ بريقاً خفياً في عينيها جعلني أرتجف.
قالت بصوت هادئ وحزين:
“لقد أحبّني… أحبّني أكثر من نفسه، لكنه لم يحتمل الحقيقة.”
ثم وقفت فجأة و اقتربت من الباب. استدارت نحوي وقالت قبل أن تغادر:
“أنت الآن تحمل جزءاً من اللعبة. إيّاك أن تظن أنّك خارجها.”
وأغلقت الباب خلفها تاركةً رائحة عطرها الثقيلة معلّقة في أرجاء الغرفة كذنبٍ لا يغادر المكان.
