

الكاتبة كارينا أبو نعيم

قضيتُ ليلتي ساهراً، والقصاصات مبعثرة أمامي على الأرض كأنّها شظايا روح. لم أعد أرى فيها كلمات عابرة، بل أبواباً صغيرة تقودني إلى عوالم مغلقة. كل رقم بدا وكأنّه ساعة في عدٍّ تنازليّ نحو شيء لا أعرفه بعد.
مع اقتراب الفجر، توقّفتُ عند الرقم ٢٠٠. الورقة مهترئة قليلاً عند الأطراف، وكأنّها أُرهقت من كثرة الإمساك بها. قرأتُ:
“اليوم ٢٠٠: ستأتيك في هيئة ظلّك، وستقف عند عتبة غرفتك قبل أن تنام.”
ابتلعتُ ريقي. شعرتُ بوخزة برد تسري في جسدي. هل أجرؤ على تصديق ما أقرأ؟ أليست هذه مجرد هلاوس رجل محطم؟
قررتُ أن أضع الأوراق جانباً وأخلد للنوم. دخلتُ غرفتي في العيادة، أطفأت المصباح، واستسلمتُ للظلام. لم تمر دقائق حتى سمعتُ وقع خطوات خفيفة في الممر.
نهضتُ مذعوراً. لم أكن متأكداً إن كنتُ أسمعها حقاً أم أنّ ذهني المثقل بالأرق والقصاصات بدأ يختلق الأصوات. اقتربتُ من الباب بخطوات مترددة، ولشدّة خوفي لم أجرؤ على فتحه. لكن… رأيت شيئاً تحته: ظلّ خفيف، كأنّ أحدهم يقف عند العتبة تماماً كما كُتب في القصاصة.
لم أتمالك نفسي، فتحتُ الباب بسرعة. الممر كان فارغاً. لا أحد. لكن رائحة عطرها كانت ما تزال تملأ الجو.
التفتُّ عائداً إلى الغرفة، فرأيت على طاولتي ورقة جديدة لم تكن هناك قبل دقائق. لم تكن مرقّمة كسائر القصاصات، بل كُتب عليها بخطّ أنثوي أنيق:
“مراد… الآن بدأ دورك.”
وقفتُ مشلولاً في مكاني. لم أعد أعرف: “هل كانت تتلاعب بي… أم أنّني بدأت أصدق أنّ هذا هو دوري فعلاً؟”.
