

الكاتبة كارينا أبو نعيم

لم يطل صمتي بعد خروجها. كنت أعلم أنّ الهدوء ما هو إلا تمهيد للعاصفة. لم تكن امرأة تُهزم بابتسامة ساخرة أو بكلمة صادقة اخترقت درعها. مثلها لا تسامح… بل تُدبّر.
في الليلة التالية، وبينما كنت أستعد لمغادرة العيادة، وجدت ورقة صغيرة عالقة على زجاج سيارتي. لم تكن صفراء كبقية القصاصات، بل حمراء قانية، كأنّها مغموسة بالدم. قرأتُ:
“اليوم ٢٢٢: لعبة الأقنعة انتهت. اللعبة القادمة… حياتك.”
رفعت عيني بتوتر، شعرت بعيون تراقبني من بعيد. لمحت ظلّاً أسود يتحرك عند زاوية الشارع، لكنه اختفى قبل أن أميّز ملامحه.
عدتُ إلى العيادة مسرعاً، أغلقت الأبواب بإحكام، وأمسكت مسدسي المرخّص. قلبي كان يخفق كطبول الحرب. لكن ما زاد الطين بلّة هو أنني وجدت جميع القصاصات التي رتّبتها بعناية على الأرض قد تغيّر مكانها. لم تعد مرقّمة بالترتيب. أحدهم دخل… عبث بها… وترك لي رسالة صامتة تقول لي : ” كنتُ هنا“
بين الأوراق المبعثرة، لفتني الرقم ٢٢٣. لم أتذكّر أنني قرأت هذه القصاصة من قبل. التقطتها بسرعة. كان المكتوب فيها بخطّ أنثوي رشيق:
“غداً عند منتصف الليل، سأجلس على كرسي مريضك الأخير. إذا أردت النجاة… كن هناك.”
شعرتُ بعرق بارد يتصبّب من جبيني. لم تعد الجلسات محصورة داخل أسوار العيادة. هي الآن تنقل المعركة إلى ساحة جديدة، زمن محدد، مكان محدد، وأنا صرت طرفاً أساسيّاً في تهديدها.
اقتربت من المرآة على الجدار. وجهٌ متعب يحدّق بي. لم أعد أعلم: هل أنا ما زلت الطبيب؟ أم تحوّلت بالفعل إلى مريضها الجديد، الضحية التي اختارتها بعناية؟
لكنني هذه المرّة لن أسمح لها أن تبتلعني بسهولة. نظرتُ إلى نفسي بعزم وهمست:
“حسناً… سنرى من سيجلس على الكرسي الآخر غداً.”
