

الكاتبة كارينا أبو نعيم

في مساء اليوم التالي، جاء الطرق على الباب ثلاث مرات. خافتًا، حادًّا و محسوبًا.لم يحتج إلى التفكير. عرف فورًا أنّها هي.
دخلت بخطوات واثقة، كأنّها تدخل مساحة تملكها. عيناها تشعّان ببريق انتقام صامت، وابتسامتها تلك نفسها التي تُغري وتقتل في اللحظة ذاتها. لم ترتدِ معطفًا هذه المرة. حضورها العاري من الأقنعة كان أثقل من أي سلاح.
اقتربت منه حتى لم تترك مسافة، وهمست بصوت منخفض:
“سمعتُ أنّك ساعدتَ أحدهم ليخرج منّي… تركتُه يهرب.”
توقّفت لحظة، ثم أضافت بابتسامة قاتلة:
“لكن لا تقلق… لم يكن الأخير.”
رفعت حاجبيها ببطء، وتابعت:
“أنتَ كنت السبب في أن أرى ضعفي… وهذا خطأ لا يُغتفر. الآن، جاء دورك.”
شعر مراد بعرق بارد ينساب على عنقه. رفع نظره إليها مباشرة، وأجاب بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
“إذا أردتِ الانتقام، فلتكن لعبة عادلة. أنا هنا… ولن أكون ضحية هذه المرة.”
ضحكت ضحكة قصيرة تحمل سخرية لا تُطمئن. تقدّمت أكثر حتى صار وجهها قريبًا من وجهه:
“لعبة عادلة؟ مراد… أنت لا تعرف بعد إلى أي حد يمكن أن أذهب.”
مدّت يدها نحو حافة الطاولة، وأمسكت بشيء . لم يكن سلاحًا ظاهرًا، لكن الطريقة التي أخفته بها جعلته يدرك أن الخطر هذه المرة سيكون مؤلماً جداً.
شعر أنّه على حافة هاوية حقيقية، ومع ذلك، شيء داخله رفض التراجع.
قال بهدوء مفاجئ:
“كل تهديداتك لن توقفني. واجهتُ الألم من قبل… ولن أسمح لك بتحطيمي.”
تجمّدت للحظة. ارتبكت ابتسامتها، ولو لثانية. لم تكن تتوقّع هذا الرد. اقتربت أكثر، وهمست بصوت خافت:
“أحببتُ أن أراك ضعيفًا… لكن يبدو أن هذا لم يعد ممتعًا.”
فجأة، تغيّر كل شيء. بدت الظلال على الجدران كأنها تتحرّك، صدى خطواتها ملأ الغرفة، والهواء صار أثقل. لم يعد اختبارها ذهنيًا فقط… صار اختبار وجود. من سينكسر أولًا؟ ومن سيكتب النهاية؟
ابتسم مراد رغم الخوف الذي يسكنه، وقال بصوت منخفض:
“لن أهرب من لعبتك هذه المرة…سأعيد كتابتها.”
