رحلة مع الوجدان! الاستاذة امل هواري

قلمي يكتب
الاستاذة امل هواري
في مساءٍ يشبه الأسئلة القديمة، حملتُ قلبي ومشيت.
لم أكن أعرف إلى أين تقودني الطرقات حين يكون الدليل شعورًا، ولا كيف يبدو الطريق عندما يكون الرفيق وجدانًا لا يتكلم، لكنه يُسمِعك كل شيء.
كان الوجدان يسير بقربي، لا أراه، لكنني كنت أشعر بخطواته في ارتباكي، وفي تلك اللحظات التي كنت أبتسم فيها دون سبب.
كلما مررنا بمحطةٍ من العمر، كان يلتقط مني شيئًا ويعيد إليّ شيئًا آخر؛ يأخذ خوفًا قديمًا، ويمنحني سؤالًا جديدًا.
مررنا بأزقة الذكريات، فكانت الأبواب نصف مفتوحة، والوجوه القديمة ما زالت معلقة على الجدران كصورٍ نسيت أن تكبر.
توقفتُ كثيرًا، أما الوجدان فكان يكمل السير، وكأنه يعرف أن بعض الأماكن لا تُزار إلا مرة، وبعض الأحزان لا يجب أن تسكن أكثر من اللازم.
وفي منتصف الرحلة، سألتُه:
“إلى أين نمضي؟”
فأجابني بالصمت.
حينها فهمت.
بعض الرحلات لا تُقاس بالوصول، بل بما تتركه فينا ونحن نعبرها.
ومع أول خيط للفجر، التفتُّ أبحث عن الوجدان… فلم أجده.
تلفّتُّ حولي كمن أضاع رفيق طريقٍ طويل، ثم أدركت متأخرًا أنه لم يكن يسير بجانبي يومًا.
كان يسكنني.
حينها فقط، بدا كل شيء واضحًا بصورةٍ موجعة.
كل الطرق التي ظننت أنني اخترتها، كانت تختبرني.
وكل الأشخاص الذين ظننت أنهم عبروا حياتي صدفة، كانوا يتركون في داخلي أجزاءً جديدة مني.
وقفتُ أمام نفسي للمرة الأولى دون ضجيج العالم، فاكتشفت أن أثقل الرحلات ليست تلك التي نعبر فيها المسافات… بل تلك التي نعبر فيها أنفسنا.
أكملت السير، لا لأنني وصلت، بل لأنني فهمت أخيرًا أن بعض الرحلات لا تنتهي.
إنها تستقر فينا، وتعيد تشكيل أرواحنا بصمت، حتى نصبح غرباء عن النسخة القديمة التي كنا نظن يومًا أنها نحن.
ومنذ تلك الليلة، لم أعد أبحث عن الطريق…
لأنني أدركت أن الوجدان ليس وجهة نصل إليها،
بل عبورٌ طويل داخل أنفسنا،
وأن أكثر ما يخيف الإنسان، ليس أن يضيع الطريق…
بل أن يصل يومًا،
ولا يجد نفسه بانتظاره…
