ادبياتعيون خاصة

أحببتُ نرجسيّة – الحلقة التاسعة عشرة – الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

كان القبو ساكنًا بشكلٍ مريب، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسي وصدى حركاتي الخفيفة بين الرفوف. رائحة الغبار والورق القديم تملأ المكان، وتُشعرني أنني لا أقرأ ماضي والدي بل أدخله.

مررتُ أصابعي على حافة صندوق خشبي قديم، ثم جلستُ على الكرسي القريب. الملف الذي بين يدي لم يكن مختلفًا عن غيره. كان عبارة عن  تقارير، ملاحظات، خطوط دقيقة رسمت خرائط للدماغ البشري، لكنني لم أكن أرى كل ذلك. كنت أبحث عن شيء آخر، عن بعض المعلومات، عن بعض الصور الشخصية، عن خيوط تقودني إليه وإلى ملامح وجهه الحقيقي، إلى صوته، حركاته  ونظراته. كنتُ أبحث بين كل هذا الماضي السحيق عن أحضان أبي.

تابعتُ تقليب الأوراق ببطء. كل شيء هنا يتحدث عنه، لكن لا شيء يُشبهه. غلقتُ عينيّ للحظات وحاولتُ أن أتذكّر.

هل كان صوته عميقًا؟ هل كان يضحك كثيرًا؟ هل كان يناديني باسمي، أم بلقبٍ لا أتذكره الآن؟

فتحتُ عينيّ فجأة وكان الفراغ. هذا كل ما بقي لي. سحبتُ صندوقًا صغيرًا من تحت الطاولة، وفتحته بحذر. هناك العشرات من الصور. ارتجفت يدي وأنا ألتقط الصورة الأولى. هناك رجل شاب يقف إلى جانب امرأة وهي تبتسم.

حدّقتُ بالصورة طويلًا. همست:”أمي…”

ثم انتقلت عيناي إليه. وجهه واضح. نظراته ثابتة، لكنني لم أشعر بشيء. وهذا ما أخافني أكثر.

قلبتُ الصور بسرعة أكبر كأنني أبحث عن شيء يصرخ بي:

“هذا هو.”

لم أجد إلا لحظات مجمدة لأشخاص ووجوه لا أعرفها. لكن ما استوقفني صورة مختلفة لطفل لا يتجاوز الثامنة من عمره. كنتُ أنا في الصورة طفلًا سعيدًا أضحك بصدق وتحيط به أمه وأبوه.

شدَدتُ على الصورة بين يديّ، وشيء في صدري انكسر بصمت.

سمعتُ صوتًا خافتًأ، كأن شيئًا سقط. رفعتُ رأسي فجأة. كل شيء في مكانه: الرفوف والصناديق.

وقفتُ ببطء. تقدّمت خطوة ثم أخرى. أنفاسي أصبحت أثقل. وعندما وصلت إلى منتصف القبو…

تجمّدت…شيئًا أصفر على الأرض.

انحنيتُ ببطء. التقطتُ القصاصة .توقفت أنفاسي. نظرتُ حولي بسرعة.

لا يوجد أحد. فتحتها وكان مكتوب فيها:

” هل  وجدتَ ما تبحث عنه؟”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »