ادبياتعيون خاصة

أحببتُ نرجسيّة – الحلقة العشرون – الكاتبة كارينا أبو نعيم

الكاتبة كارينا أبو نعيم

 

استيقظتُ هذا الصباح على رغبة غريبة في الخروج. بعد تناول الفطور، أعددتُ حقيبتي ووضعت فيها كل ما يمكن أن أحتاجه في رحلتي. عند التاسعة صباحاً انطلقتُ في مغامرتي. كانت الشمس دافئة بشكل لطيف.

سرتُ في الطريق الترابي. كانت الضيعة تمتد  أمامي، بيوت متباعدة، وسقوف قرميدية حمراء بدأت تفقد لونها مع الزمن. على الجانبين ركنت أشجار زيتون معمّرة، جذوعها ملتوية كأنها كبرت وهي تتذكر أشياء كثيرة ولم تنسَ شيئًا.

استوقفني هذا المشهد. ذكّرني بلوحة الرسام الهولندي فان غوغ  “شجرة الزيتون”. وقفتُ للحظة أطيل النظر إلى جذوع الأشجار الممتدة على جانبي الطريق. كان في التواءاتها شيء يشبه الألم، لكنه ألمٌ هادئ ومتصالح مع نفسه. كأن كل شجرة هنا تحمل حكاية قديمة، لكنها لم تعد تحاول شرحها لأحد.

تابعتُ السير ببطء، بينما كانت أفكاري تتنقّل بين ما أراه وما أشعر به دون ترتيب واضح. الهواء في هذه اللحظة كان أخفّ، كأن الطريق بدأ يبتعد عن الضيعة شيئًا فشيئًا.

بعد دقائق، بدأ المشهد يتغيّر.

لم تعد البيوت تظهر خلفي إلّا متقطعة، متباعدة كذكريات غير مكتملة. إلى اليمين، امتدّت مساحة خضراء واسعة. أعشاب طويلة تتحرك مع الريح كأنها أمواج بطيئة.

سمعتُ صوت ماء بعيد. توقفتُ وأصغيت. خرير نبع صغير يمر بين الصخور. اتجهتُ نحوه دون تفكير، كأن الصوت يسحبني بهدوء لا يقاوم.

حين وصلت، كان المشهد أبسط مما توقعت وأكثر جمالًا في الوقت نفسه. مجرى ماء ضيق يتسلل بين أحجار رمادية ملساء. انحنيتُ قليلًا. لم ألمس الماء في البداية، فقط راقبته. كان يتحرك بثبات غريب لا يتوقف ولا يتسارع، فقط يمضي كأنه يعرف وجهته جيدًا.

لمستُ الماء. كان باردًا. تسلّل الإحساس عبر أطراف أصابعي ببطء، وكأنه يوقظ شيئًا نائمًا في داخلي منذ زمن بعيد. لم أسحب يدي فورًا، تركتها هناك، داخل التيار، أراقب كيف يمرّ الماء من حولها دون أن يتوقف، دون أن يلتفت.

جلستُ على صخرة قريبة، وأسندتُ مرفقيّ إلى ركبتيّ، أحدّق في ذلك الخيط المائي الصغير الذي يشقّ طريقه بين الصخور.

تنفّستُ بعمق. أغمضتُ عينيّ. صوت الماء…حفيف العشب…ونسمة هواء خفيفة مرّت على وجهي…

للمرة الأولى منذ سنوات أشعر بتحرر روحي. بقيتُ مغمض العينين، أترك هذا الإحساس يمرّ في داخلي دون أن أحاول فهمه .لم أُرِد أن أفسده بالتفكير أو أن أُثقله بالأسئلة.

تركته يقودني كما يشاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »