ادبيات

هل الصمت قوة أم هروب؟ الاستاذة امل هواري

 

ليس كل صمتٍ يشبه الآخر. فالصمت قد يكون أحيانًا أعلى صوتًا من الكلمات، وقد يكون أحيانًا أخرى مجرد جدار نختبئ خلفه خوفًا من المواجهة. وبين هذين الوجهين يتحدد الفرق بين صمت القوة وصمت الهروب.

الصمت قوة عندما يكون خيارًا لا عجزًا. عندما تفهم ما يحدث حولك جيدًا، لكنك تختار ألا تدخل في كل نقاش وألا ترد على كل استفزاز. عندما تكون قادرًا على الكلام، لكنك تدرك أن بعض الكلمات لن تغيّر شيئًا، وأن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض أصلًا.

في هذه اللحظات يصبح الصمت علامة نضج. فهو قدرة على السيطرة على ردود الفعل بدل أن تسيطر هي علينا. هو أن تمتلك القوة للرد، لكن تمتلك الحكمة لتتريث. أن تعرف متى تتكلم ومتى تترك الأمور تمضي دون أن تستنزف نفسك فيها. فليس كل خلاف يستحق المواجهة، وليس كل شخص يستحق التبرير.

أما صمت الهروب فهو شيء مختلف تمامًا. هو الصمت الذي يولد من الخوف لا من الوعي. عندما نهرب من مشاعرنا بدل أن نواجهها، وعندما نخفي ما يؤلمنا لأننا نخشى رد فعل الآخرين. هو أن نصمت لأننا نخاف أن نخسر أشخاصًا نحبهم، أو لأننا نخاف أن نطالب بحقوقنا، أو لأننا نخشى أن يرحل من في حياتنا إذا عرفوا حقيقة ما نشعر به.

في هذه الحالة لا يكون الصمت قوة، بل قيدًا. فالكلمات التي لا تُقال لا تختفي، بل تبقى داخلنا وتتراكم. والمشاعر التي نهرب منها لا تموت، بل تتحول إلى ثقل نحمله بصمت.

لذلك، ليس السؤال: هل الصمت قوة أم هروب؟ بل السؤال الحقيقي هو: لماذا نصمت؟

إذا كان صمتك نابعًا من فهم، ومن قدرة على التحكم بنفسك، ومن اختيار واعٍ لمعركتك، فهو قوة.

أما إذا كان صمتك نابعًا من الخوف، ومن التردد، ومن الهروب من الحقيقة أو من التعبير عن احتياجاتك ومشاعرك، فهو هروب مهما بدا هادئًا من الخارج.

فالصمت لا يُقاس بعدد الكلمات التي لم تُقل، بل بالسبب الذي جعلها تبقى حبيسة القلب.

قلمي يكتب
أمل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »