

الكاتبة كارينا أبو نعيم
سرتُ في الطريق دون أن أفكر كثيرًا في الاتجاه الذي كان واضحًا أمامي، ومع ذلك شعرت أنني أراه لأول مرة .كلما اقتربت من طرف الضيعة، كان الصمت يزداد….
ثم رأيتها. الكنيسة القديمة. هذه المرة لم أتوقف. مررتُ بجانبها بهدوء، وكأن وجودها جزء من الطريق. تابعت السير حتى وصلت. لم يكن المكان فسيحًا .مجموعة قبور متقاربة، وأخرى متباعدة، كأن كل واحد منها اختار أن يكون وحده بالطريقة التي تناسبه. وقفتُ. لم أفعل شيئًا فقط وقفت. ثم تقدمت خطوة واحدة. ثم أخرى. كان الاسم الأول أمامي. اسم والدي. حدّقتُ في الحروف المنقوشة على الحجر.
بدت بسيطة أكثر مما تخيلت دائمًا وكأنها لا تليق بكل ذلك الغياب الذي حملته في داخلي طوال السنوات. لم أتحرك. لم أتكلم. فقط بقيت أنظر. ثم انتقلت عيني ببطء إلى القبر الثاني.
أمي.
تغير شيء في داخلي من دون أن أستطيع تحديده. ليس حزنًا ولا صدمة، بل شيء أشبه بأنني أقف أمام فكرة كنت أهرب منها دون أن أعرف. اقتربتُ أكثر. توقفت عند القبرين معًا. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يكن في رأسي أي صورة واضحة عنهما ولا عن صوتهما ولا ملامحهما، ولا حتى الذكرى التي كنت أظن أنني أحملها لهما ….
كان هناك فراغ… فراغ داخلي.
جلستُ ببطء على الأرض أمامهما من دون وعي كامل. وضعت يدي على التراب القريب. كان ثابتاً وبارداً.
لا أعرف كم مرّ من الوقت. لكن شيئًا بدأ يتشكل داخلي بهدوء مؤلم. لم يكونا بعيدين عني كما كنت أعتقد. أنا الذي كنت بعيدًا. أنا الذي لم أعد إليهما. أنا الذي ترك المسافة تكبر دون أن أحاول إغلاقها.
كانت الفكرة واضحة بشكل قاسٍ:
لم أفقدهما فقط…أنا توقفت عن الوصول إليهما.
أخفضتُ رأسي قليلًا. لأول مرة لا أشعر أن الغياب وحده هو المشكلة، بل كنتُ شريكاً له. أنا الذي لم أحاول أن أبقى قريبًا منهما.
وقفتُ وبقيت لثوانٍ أنظر نحو القبرين ثم التفتُ وغادرت.
لكن خطواتي هذه المرة، كانت أبطأ وأثقل، وكأن شيئًا من داخلي بقي هناك ولم يعد معي.
